غانم قدوري الحمد

10

رسم المصحف

عن إيفائها حق الدراسة ، لكن ما لا يدرك جلّه لا يترك كلّه ، فلا يزال كثير من مصادر الموضوع مخطوطا ، وليس من اليسير تحقيق النصوص تحقيقا تاما ، إضافة إلى أن المصاحف القديمة المخطوطة - إلى جانب كونها كثيرة ومبثوثة في مكتبات العالم - تصعب - بل تستحيل أحيانا - القراءة فيها بدعوى المحافظة عليها ، وقد جعلني ذلك أكتفي بما تيسرت لي القراءة فيه من المصاحف المحفوظة في دار الكتب المصرية ، ورغم الفائدة الكبرى التي أتاحتها الأمثلة التي نقلتها من تلك المصاحف فإن القراءة في مصاحف أخرى سوف تكون مفيدة جدا في دراسة المشكلة . ولعل من مظاهر القصور - التي لم أملك تفاديها - الاعتماد على كثير من النماذج الخطية المصوّرة ، لاستحالة الاطلاع على أصولها ، وهذه النماذج إن توفرت فيها الدقة فإنها غير قادرة على تبيان الألوان التي كتبت بها ، مما يزيد في صعوبة فهم العلامات ودلالة النقط فيها ، وبالمقابل فإن هذا البحث غير قادر على إظهار الألوان المختلفة التي ضبطت بها المصاحف في القرون المتقدمة ، إلى جانب أن الآلة الكاتبة غير قادرة أحيانا على نقل بعض الصور الكتابية التي سوف أحرص على تقديم صورة دقيقة لها ما أمكن ذلك ، وسوف أكتفي من مجموع النصوص الخطية التي اعتمدت عليها في هذا البحث ببضعة نماذج مصوّرة ألحقتها في آخر البحث . وقد أحسست في أولى مراحل دراسة هذا الموضوع أن المنهج الذي ينبغي أن يعالج في إطاره لا يمكن إلا أن يكون نابعا من طبيعة اللغة والكتابة نفسها ، منهج يقوم على تتبع الظواهر الهجائية في أقدم صورها ، ثم يحاول تفهم ما يبدو فيها من قصور في تمثيل النطق تمثيلا دقيقا على ضوء حقيقة كون الكتابات عامة أقل تطورا وأبطأ خطى في مواكبة تطور اللغة المنطوقة ، فيتغير نطق الكلمة دون أن تتغير صورة هجائها . وعلى ضوء هذا المنهج اللغوي التاريخي تناولت دراسة المشكلة في ستة فصول : جعلت الفصل الأول فصلا تمهيديا ، تناولت فيه تاريخ الكتابة العربية وخصائصها قبل مرحلة الرسم العثماني ، إلى جانب بيان الأسس التي تقوم عليها الكتابة . وتناولت في الفصل الثاني تاريخ القرآن الكريم في حياة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وجمعه في خلافة الصديق - رضي اللّه عنه - ونسخه في المصاحف في خلافة عثمان - رضي اللّه عنه - مع بيان بعض القضايا المتعلقة بذلك .